في شوارع مدينة ستافنجر النرويجية، لا يعرف كثيرٌ من كبار السن أنهم حين يركبون سيارة الأجرة مع السوري جان حمو، فإنهم لا يحصلون فقط على رحلة مجانية، بل يلتقون بقصة وفاء وإنسانية بدأت من قلب أم سورية.

جان البالغ من العمر 39 عاماً، وصل إلى النرويج قادماً من سوريا عام 2009، حاملاً معه قيماً بسيطة لكنها عظيمة: احترام الكبير، ومساعدة المحتاج، والتعامل مع الناس بمحبة. كانت والدته تردد دائماً: “اعتنِ بكبار السن وكن لطيفاً معهم”.

ومع السنوات، بقيت كلماتها ترافقه أينما ذهب، لكن في عام 2022، تلقى الخبر الأصعب في حياته: وفاة والدته في سوريا، دون أن يتمكن من العودة لإلقاء النظرة الأخيرة عليها بسبب ظروف الحرب، لكن ذلك الألم لم يحوله إلى غضب أو انكسار، بل إلى رسالة خر ووفاء لوصية أمه.

قرر أن يكرّم ذكرى والدته بطريقة مختلفة، فبدأ بتقديم رحلات مجانية لكبار السن في منطقة Hundvåg بمدينة ستافنجر، ومساعدتهم في تنقلاتهم اليومية، وحمل أكياسهم، ومرافقتهم حتى أبواب منازلهم، خاصة في أيام الشتاء القاسية التي يصعب فيها على كثير من المسنين الخروج وحدهم.

ورغم أن هذه المبادرة تكلفه من وقته وماله، إلا أنه يقول إن شعوره حين يرى الراحة والامتنان في عيون كبار السن لا يُقدّر بثمن.

وخلال فترة قصيرة، تحولت قصته إلى مصدر إلهام لآلاف النرويجيين، الذين أشادوا بإنسانيته واعتبروه مثالاً جميلاً للاندماج الحقيقي والعطاء الصادق.

قصة جان ليست فقط عن سائق تاكسي، بل عن إنسان حمل وصية والدته من سوريا إلى النرويج، وحوّل الحزن إلى أثرٍ جميل في حياة الآخرين.

وهي رسالة لكل شخص يعيش بعيداً عن وطنه:
يمكن للإنسان أن ينجح بالرحمة كما ينجح بالعمل، وأن يترك أثراً عظيماً بأفعال بسيطة صادقة.

هكذا يواصل كثيرٌ من السوريين حول العالم تقديم صورة مشرّفة عن قيمهم وأخلاقهم، مؤكدين أن الإنسانية تبقى اللغة الأقرب إلى قلوب الجميع.

Leave a Comment